محمد بن زكريا الرازي

226

الحاوي في الطب

« أبيذيميا » ، قال : من انكسر منه القحف واحتاج إلى نشر بالمنشار فليبادر بذلك ولا ينتظر إلى أن يحدث عما ينجذب إلى أم الدماغ صديد كما يفعل قوم انتظارا منهم لاستكمال التقيح كما يفارق الأم الجافية المحجمة « 1 » ، وينبغي أن تنتظر التقيح متى كانت الأم ليس يضغطها ولا يزحمها بشيء ، فأما إن كان ينخسها شيء من العظام فليس يمكن البتة أن تنتظر ، وإن لم ينخسها شيء فليكن انتظار التقيح مقدارا معتدلا حتى لا يجاوز الثالث البتة منذ أول العلة وأكثرهم ينبغي أن يعالج في الثاني . « قاطيطريون » : أعظم الدلائل على خلع العضد وأسهلها تعرفا النتوء المدور الصلب الكائن في الإبط لأن هذا يمكن أن يكون دون أن ينخلع رأس العضد ويصير إلى موضع الإبط . وأما الانخفاض والغور الذي يكون في قلة العاتق فهو علامة تعم خلع العضد وإتلاف العظم الصغير المسمى رأس الكتف ، وينبغي أن يكتب أولا في رأس الكتف السليم ، ويعرف قدر ارتفاعه ثم تقيس إليه العليل فما وجدناه في غير الحال الطبيعية علمنا أن العضد مخلوعة . إلا أن هذه العلامة دون الأولى في الدلالة فوقها في الصعوبة ، وأنقص هذا في القوة العلامة التي توجد في الحركات وذلك أنه قد يعرض للإنسان ألا يقدر أن يشيل عضده إلى فوق عندما يعرض في العضل الذي هناك فسخ أو تمده أو ورم أو ما انهتك وانقطع في عمق هذا العضل شيء من شظايا العصب المبثوث فيه . قال : وأعرف رجلا كان قد زال منه رأس الكتف عن موضعه ثم عرض له بعد ذلك بزمان طويل أن عضده انخلعت من اليد الأخرى وأصابه ذلك في موضع الصداع فلما نظر الطبيب إلى كلتي الكتفين متشابهتين حكم أن مفصل العضد لم تنله آفة وأن الحادث إنما هو صدمة وأن الوجع من أجله ، فأمر أن يبادر إلى الحمام ويتمرخ فيه بدهن كثير ويبطئ في الجلوس في الآبزن فإذا خرج وضع على ذلك الموضع صوفا مغموسا في قيروطي رطب ويستلقى ويلزم الدعة ، فلما فعل ذلك أقامه الوجع ليلته فلما صرت إليه نظرت فرأيت أرفع موضع في كتفه التي لا توجعه وهي التي كانت قد زالت منذ زمان طويل أخفض منه في الكتف العليلة ولأن ورم الكتف العليلة كان قد تزيد ، تفقدت الكتف التي كان يظن بها أنها صحيحة بعناية شديدة لأني كنت أرى رأس الكتف منه قد زال إلى فوق فدعاني ما رأيت من ذلك ومن قلة انتفاع العليل بما عولج به أن أدخلت أصابعي في إبط تلك الكتف الوارمة فلما لمسته وجدت فيه رأس العضد ظاهرا فلم اقتصر على ذلك حتى أدخلت أصابعي في الإبط الآخر فلما لم أجد شيئا من النتوء الذي وجدته في الآخر قلت : إن العضد مخلوعة إلا أنهم لم يعلموا أن ذلك لأنهم لم يدروا أن رأس الكتف من اليد الأخرى زائل عن موضعه وقاسوا الكتف العليلة إلى تلك التي كانوا يرونها سليمة على أنها صحيحة عندهم وقلت لهم : سلوا المريض هل أصابته فيما تقدم صدمة على رأس كتفه من اليد الأخرى ؟ فأقر بعد أنه كان سقط

--> ( 1 ) كذا في الأصل ولعله : الجمجمة .